القاضي عبد الجبار الهمذاني

20

تثبيت دلائل النبوة

والأنصار الذين هم من قريش وغيرهم من العرب وقد أتاهم بإكفارهم وإكفار آبائهم على ما شرحنا وبينا ، وهو من الوحدة والفقر على ما ذكرنا ، فمكث بمكة بعد ادعائه النبوة خمسة عشر سنة يدعو إلى دينه ، فيجيبه النفر بعد النفر على خوف شديد ، وقد تجردت قريش وغيرهم من أعدائه له صلّى اللّه عليه وسلم ولمن اتبعه وأطاعه ، فيقصدونهم بالضرب والتعذيب الشديد ، ويمنعونهم الأقوات ، ويتعاهدون على أن لا يبايعوهم ولا يشاروهم ولا يناكحوهم ، وقد كتبوا في ذلك الصحف « 1 » ، وقد قتلوا منهم قبل الهجرة رجالا ونساء وكانوا يرصدون لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولدعاته إذا خرج إلى الموسم لدعاء الناس وإظهار ما معه وتلاوة القرآن ، فيقولون للعرب : هذا منا وقد صبأ وهو ساحر كذاب ، فلا تطيعوه ولا تسمعوا لما معه ، فنحن اعلم به ، وقد سفه أحلامنا ، وضلل أدياننا ، واكفر آباءنا ، وفرق آلافنا ، وأفسد أحداثنا وعبيدنا ونساءنا . ثم كان هو صلّى اللّه عليه وسلم يرجم ويضرب الضرب المبرح ، ويداس ويطرح على رأسه الفرث والتراب / ويلقى من المكاره هو ومن اتبعه ما يطول شرحه « 2 » . فلم يكن لأصحابه مع شرفهم وشرف أهلهم قرار ، ولا أمكنهم المقام للشدائد التي تنالهم ، حتى فروا بأديانهم في الأمصار والبلدان حتى عبروا البحار وصاروا إلى ارض الحبشة « 3 » ، فتعرف قريش أخبارهم

--> ( 1 ) لما رأت قريش ان امر النبي صلى اللّه عليه وسلم في ازدياد وان عمه أبا طالب يحميه منهم ائتمرت بينها ان يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون فيه على أن لا ينكحوا إلى بني هاشم وبني المطلب ولا ينكحوهم ولا يبيعونهم شيئا ولا يبتاعوا منهم ، وقد انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شعبه إلا عمه أبو لهب فإنه ظاهر قريشا . وقد أقام المسلمون على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا . الطبري 1 : 1190 ( 2 ) انظر الطبري 1 : 1198 - 1199 ( 3 ) كانت الهجرة الأولى إلى الحبشة في السنة الخامسة من بعثة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقال بعض المؤرخين ان عدد المسلمين المهاجرون منها كانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة . الطبري 1 : 1181 ، وقال بعضهم بل كانوا اثنين وثمانين رجلا . الطبري 1183 .